المنجي بوسنينة
234
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ومهما كان سبب حبسه ، فقد عرف بالفصاحة والمعرفة التامّة بالكتابة والأدب ، ووصف بأنه كريم الأخلاق ، حسن العشرة ، وكان يقرّب أهل الأدب ويشملهم بعطفه . ويدلّ كتابه على شغفه بالأدب والتاريخ . وإنّ المادّة الغزيرة التي احتوت عليه أجزاء كتابه الخمسة تؤكّد على سعة مطالعاته ، ووقوفه على عشرات الكتب القديمة من كتب الأدب والتاريخ وفروع الثقافة الأخرى ، فكان كتابه ثمرة قراءاته ومطالعاته وتقييده للأخبار ، والفوائد ، والطرائف ، والنكت ، والنوادر ، والحكايات ، والحكم ، والأمثال ، والمواعظ ، والآداب ، وكلام النبيّ ، وكلام بعض الأنبياء ، والخلفاء ، والصحابة ، والتابعين وطبقات الصالحين ، والزّهاد ، والأئمّة من الفقهاء ، وأشعار الحكماء ، ورسوم الملوك والرعيّة والسياسة ، وأدب الملوك والسلاطين والوزراء ، والولاة ، والقضاة ، والحجّاب ، وقادة الحروب ، وعمّال الصدقات ، ووصايا العرب ، وأخبار ملوك غير المسلمين ، وسياسات كسرى ، والإسكندر ، وأخبار الأمويين ، والعباسيين ، والطولونيين ، وغير ذلك من أبواب كثيرة تحتوي على معلومات تاريخية وأدبية نادرة حشدها بأسلوب سهل ميسّر ، ولغة فصيحة متينة لا يكتنفها الغموض ولا التقعّر . وقال في مقدّمته : « هذا كتاب جمعته من نتائج الأفكار ، وطرف الأخبار والآثار ، ونظمت فيه فريد النثر ودرره ، وضمّنته مختار الشعر ومحبّره ، وأودعته غرر البلاغة وعيونها ، وأبكار القرائح وعيونها ، وبدائع الحكم وفنونها ، وغرائب الأحاديث وشجونها . . » . ومع اهتمام ابن حمدون بالفنون الأدبية ، فلم يعرف له من النّظم سوى ثلاث مقطّعات أثبتها العماد الأصفهاني في « خريدة القصر » . وقد وصف ابن خلكان ( ت 680 ه ) « التذكرة الحمدونية » بأنه « من أحسن المجاميع يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار ، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله ، وهو مشهور بأيدي الناس ، كثير الوجود ، وهو من الكتب الممتعة » . ومن مقدّمة « التذكرة » يلمس القارئ أنّ ابن حمدون كان يعاني نوعا من العزلة حين جمع مادّتها ، وأنّه بات يؤثّر صحبة الكتب على صحبة الناس ، فقد « فسد الزمان ، وخان الإخوان ، وأوحش الأنيس ، وخيف الجليس ، وصار مكروه العزلة مندوبا ، ومأثور الخلطة محذورا » . قد اختار ابن حمدون بداية وخاتمة طبيعيّتين حين ابتدأ كتابه بالمواعظ والآداب الدينية ، وختمه بالأدعية ، ثمّ وزّع المادّة على أبواب معيّنة ، كلّها يمكن أن تنتظم تحت عنوان « الأدب » ، ما عدا الباب التاسع والأربعين ، من الجزء الأوّل ، فهو مخصّص للتاريخ ، وتعتبر الأدعية في فواتح الأبواب من إنشائه ، إلّا أنه لا يسجّل في الكتاب شيئا من تجاربه وقضايا عصره ، وليس فيه من مشاهداته إلّا اليسير ، وهذا ما يؤخذ عليه ، إذ إنه صرف اهتمامه إلى النقل والانتقاء من : « نهج البلاغة » ، و « حلية الأولياء » ، و « البيان والتبيين » ، و « عيون الأخبار » ، و « نثر الدرّ » ، و « الأدب الكبير » ، لابن المقفّع ، و « كليلة ودمنة » ، وكتاب « النمر والثعلب » لسهل بن هارون ، وغيره . ووصل ابن حمدون في كتابه إلى ذكر أخبار